عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

رجل أعمال أردني المسيحيون ملح الأرض

27 تشرين1/أكتوير 2020

بيت نهرين – عن وكالات

حسن إسميك: المسيحيون صمّام أمان المنطقة، والمسيحيون العرب أثبتوا أنهم أبناءٌ بارُّون لأرضهم وأشقائهم

إسميك: المسيحية لم تكن يوماً ما طارئة على هذه البلاد أو ذات حضور ثانوي فيها، بل إن جذورها ضاربة في عمق التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده

حيث قال إسميك، خلال مقال له بجريدة "النهار" العربي، والذي جاء تحت عنوان "المسيحيون. ملح الأرض للحضارة العربية الإسلامية"، :" أشعر بالحزن لأي هجرة قسرية، إلا أن هجرة المسيحيين ممن أعرفهم ولا أعرفهم تزيد حزني غصة لأن رحيلهم يعني خسارتنا الكبيرة لشركائنا في هذه الأرض، فهم ليسوا مجرد أشخاص يمضون، بل ما يغيب حقيقة هو تاريخ الوجود المسيحي الذي يتغلغل في المنطقة العربية كمكوّن رئيسي في تاريخنا جميعاً. فالمسيحية لم تكن يوماً ما طارئة على هذه البلاد أو ذات حضور ثانوي فيها، بل إن جذورها ضاربة في عمق التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده. ولا شك عندي أن التعايش الطويل الأمد مع أشقائنا المسيحيين، وغيرهم، كان أحد أهم أسباب التنوع والتعدّد الذي حظيت به الأمة العربية، والذي أضاف إليها أهم أسباب حضارتها وتطورها، وأضفى عليها جمالاً وبهاء قلّ نظيرهما في العالم كله.

وأضاف :"الواقع أن المسيحيين قدّموا مساهمات قيمة أغنت حياتنا في مراحل مختلفة. وإذ يُجمِع المؤرخون على أهمية الدور الذي لعبه المسيحيون في النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فإن جهودهم الرامية إلى إحياء حضارتنا لم تبدأ حينذاك، بل هي ضاربة الجذور عميقاً في تاريخ المنطقة. وهم رسموا إلى جانب المسلمين في محطات زمنية مختلفة، ملامح ثقافتنا العربية الإسلامية.

وأشار إلى أن للمسيحيين كان لهم اليد الطولى في الإنجازات، إذ تشير دراسات إلى أن نسبة المترجمين منهم الذين ساهموا في نقل التراث الهلنستي إلى العربية بلغ 90% من مجموع المترجمين. ولمعت أسماءٌ مسيحية كثيرة في عالم الترجمة، في مقدمها حنين بن إسحق الذي كان طبيباً لخمسة خلفاء من العباسيين، وموضع ثقتهم ورعايتهم، وترجم نحو 100 كتاب من اليونانية إلى السريانية، و37 كتاباً إلى العربية، كما كان سفيراً عالمياً للثقافة والمعرفة، جال أرجاء العالم بحثاً عن الكتب والمخطوطات، وأقام علاقات مع الروم والبيزنطيين من أجل هذه الغاية. ونقل مع يحيى بن عدي وقسطا بن لوقا كتب أفلاطون وأرسطو إلى العربية.

وقال إنه عندما دخلت الحضارة العربية الإسلامية في "عصر الانحطاط"، بسبب ما فرضه العثمانيون من عزلة على بلاد العرب بمكوناتها كلها طوال أربعة قرون كاملة، تراجعت أوضاع المسيحيين، شأنهم شأن المسلمين. وهذا دلّ مجدداً على وحدة الحال بين أصحاب الديانتين، والتي تتصل بلا شك بوحدة المصير والمصالح والتاريخ المشترك.

واستطرد :"في هذا الإطار، خاض الشرق، بمسلميه ومسيحييه، حرباً حضارية ضد عدو تركي مشترك، فكان تحالفهم مبنياً على الانتماء الوطني وليس الديني، وانتصروا على الاستبداد العثماني. وما أحوجنا اليوم إلى وئام مماثل وتوحيد مشابه لكلمة الأديان الثلاثة في المنطقة العربية.
 وقال إسميك :"لقد أثبت المسيحيون العرب أنهم أبناء الثقافة العربية أينما حلوا، وهم أبناءٌ بارُّون لأرضهم وأشقائهم. ويحكى أن فارس الخوري الزعيم الوطني، الذي لعب دوراً رئيساً في تأسيس الجمهورية العربية السورية، سمع ما قاله الجنرال غورو إن فرنسا جاءت إلى سوريا لحماية مسيحيي الشرق، فما كان منه إلا أن توجه إلى الجامع الأموي في يوم جمعة ليقول من على منبره "إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله"، فهبّ مسلمو المدينة ومسيحيوها للتظاهر احتفاء به ودفاعاً عن العيش المشترك، في مشهد وطني لا ينسى.

وأكد :"المسيحيون المشرقيون صمّام الأمان في المنطقة، وهمزة الوصل بين الأديان الأخرى من جهة، وبين الشرق والغرب من جهة ثانية، بفضل علاقاتهم المعتدلة مع الأطراف كلها.

وأضاف قائلاً :"نقف اليوم جميعاً أمام مسؤولية تاريخية لنعيد للتنوع الذي تمتاز به منطقتنا رونقه كمصدر غنى حضاري، فيبث الحيوية من جديد في مجتمعاتنا، ويجعلها متسامحة، والجميع فيها شركاء في صناعة التنمية وبناء السلام. ليست هذه طوباوية بل هدف واقعي ممكن التحقيق، وهناك مثال بارز من التاريخ العربي يؤكد ذلك، وهو "أيبيريا الإسلاميَّة"، الأندلس الجميلة، التي أثبتت أن الحضارة العربية ليست إسلامية خالصة، بل إسلامية مسيحية وإلى حدٍّ ما يهودية. لقد عكست التجربة الأندلسية تفاعلات متناغمة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، وشكّلت في العصور الوسطى بيئة تعايش فيها أتباع الأديان هذه باحترام وتقدير متبادلين.

وأختتم قائلاً :"تؤكد رسالة الإمارات اليوم أن الوقت قد حان لرفض أيديولوجيات التعصّب التكفيري، وكل المحاولات المعادية للسلام التي تنكر على العرب حقهم بالعيش الكريم والآمن، وتتسبّب بالقتل والتهجير والتدمير، وبإفراغ عالمنا العربي الإسلامي من عناصره الرئيسة، وفي مقدمها المكون المسيحي، والذي كان وسيبقى مؤثراً في تركيبة الشرق الحضارية، باعتباره بمنزلة ملح الأرض العربية الإسلامية.