طباعة

العراق .. من توبة أهل نينوي إلى هموم الأقلية المسيحية الباقية

13 شباط/فبراير 2020

بيت نهرين – عن وطني

 يواجه المسيحيون في العراق مستقبلاً غامضاً، فمازالت التوترات، ومازالت هناك أعداد غير معروفة من الخلايا النائمة لتنظيم “داعش” في شمال وغرب البلاد، و أصبح المسيحيون العراقيون على وشك الانقراض بعد 1400 عام من الاضطهاد! فمن توبة أهل نينوى إلى أوضاع اليوم، تحدثنا هذا الاسبوع مع الاب بولس ساتي، المدبر البطريركي للكلدان الكاثوليك بمصر …

في البداية قال الأب بولس: منذ الغزو الأمريكي للعراق الذي أطاح بنظام صدام حسين في عام 2003، تضاءل عدد المسيحيين، من حوالي 1.5 مليون إلى ٤٥٠ ألف تقريباً، وإن الكنيسة العراقية واحدة من أقدم الكنائس في العالم إن لم تكن الأقدم، وتقترب من الانقراض بشكل متسارع، ويجب أن تكون البقية الباقية على استعداد لمواجهة الشهادة، فالتهديد الحالي الذي مثله الجهاديون في ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية باعتباره “كفاحاً أخيراً في سبيل البقاء” بعد هجوم التنظيم عام 2014 والذي أدى إلى نزوح أكثر من 125 ألف مسيحي من أرض أجدادهم التاريخية.

و أضاف أن الغرض انهم يسعون إلى القضاء على تاريخنا وتدمير مستقبلنا، ولا يوجد في العراق تعويض لمن فقد ممتلكاته ومنزله وعمله وتجارته، عشرات آلاف المسيحيين فقدوا ثمرة عمل حياتهم، وثمرة جهد أجيال في أماكن عيشهم عبر آلاف السنين.. التنظيم الذي عرف باسم “داعش” في العالم العربي دمر الكنائس والأديرة ومنازل الأسر المسيحية، ولم تعد عشرات آلاف العائلات النازحة إلى مدنها وقراها.

و رداً على سؤال هل ستستمرون في التغاضي عن هذا الاضطهاد المنظم المستمر؟ قال الاب بولس نحن في اشد الحاجة إلى النظر إلى الاضطهاد المسيحي من منظور عالمي و أسبابه متعددة، وإذا نظرنا إلى الأمر على أنه ناجم عن التشدد و التعصب، سنتغاضى عن كثيرين آخرين يجب محاسبتهم.

وأعرب المدبر البطريركي للكلدان بمصر هنا عن شعوره بالحزن إزاء الواقع الراهن، إذ كانت هناك فترة مزدهرة من التعايش المثمر في القرون الماضية بين المسيحيين والمسلمين في العراق، هي الفترة التي يطلق عليها المؤرخون “العصر الإسلامي الذهبي”.. ويقول “تحاور أجدادنا المسيحيون مع العرب المسلمين في الفكر والفلسفة وكان الحوار والاحترام متبادلاً بينهم منذ القرن الثامن، و لقد نشأ نمط من الحوار الفكري المفيد بفضل روح التسامح بين المسيحيين والمسلمين لدى الخلفاء المتعاقبين، ومع غياب التسامح، اندثرت الثقافة ومات الثراء الفكري”، و في هذا الوقت وصلت الكنيسة إلى أكبر أنتشار لها حتى وصلت للصين.

و رداً عن مستقبل المسيحيين في عراق ما بعد داعش؟ قال الاب بولس: انه سؤال مثل سيف ذي حدين فيواجهه المسيحيون في العراق، اليوم في قرى بسهل نينوى ونتيجة ما قامت به الكنسية وغبطة البطريريك لويس ساكو عاد إليها نحو حوالي ٢٥٠ أسرة مسيحية وبالذات في كرمليس، تلكيف، باطنايا، تلسقف وقرقوش، برطلة، ولكني أعتقد أن مستقبل المسيحيين في الموصل كمدينة سيكون مستقبلا قلقاً؛ بعد نحو ثلاث سنوات من احتلال داعش للموصل فان الأفكار التي زرعوها في المدينة وخاصة في عقول صغار السن من أبناء الموصل ستكون مصدر قلق للمسيحيين ومؤذيا حين عودتهم وعودة كل المكونات قليلة العدد .

و اليوم المسيحيين يعودون للموصل، فهناك ٥٠ عائلة عادوا إلي هناك، ولكنهم يعودون لبيع أملاكهم وعدم البقاء في الموصل، إلا إذا استطاعت الدولة ان تحمي المكونات قليلة العدد في محافظة نينوى وتعاون أهل الموصل مع تلك المكونات فسيكون هناك أمان. بلا هذا الأمان لن يتمكن أحد من العيش في الموصل ولا العودة الى الموصل، وهذه هي النقطة المفصلية لمستقبل المسيحيين في مرحلة ما بعد داعش في الموصل.

وفي مداخلة .. حضرتكم قريب من غبطة البطريرك لويس ساكو .. التوجه بشكل عام الى اين في هذا المفصل؟ ان الكنيسة الكلدانية في العراق منفتحة على كل القيادات السياسية في العراق و تدعو الي قيام دولة مدنية على اساس المواطنة، و فصل الدين عن الدولة، و لهذا تجد ان غبطة البطريرك يدعو لوحدة السلاح تحت مظلة الجيش والقوات الامنية في العراق.

وعن حجم الدمار الذي تعرضت له الكنائس والاديرة قال الاب بولس: لم تبق كنيسة في الموصل الا وهدمت ودمرت، وكذلك الأديرة دمرت، وما نهب منها من وثائق وموجودات لا تقدر بقيمة مطلقا، فهناك مخطوطات نادرة تعود الى مئات السنين سرقت وهربت ونهبت.. ومؤخرا، بعد تحرير مناطق في سهل نينوى هناك تدميرا لدور المسيحيين من قبل جهات غير معروفة، الجيش يحرر المنطقة ويتقدم، السؤال من دخل هذه المناطق ودمر هذه البيوت.

وعن اعداد المسيحيين الذين لا يزالون في العراق وكم من المسيحيين في الأردن او في لبنان او في تركيا؟ قال: كان عدد المسيحيين في العراق قبل الاحتلال بفترة قريبة بحدود مليون و420 الف مسيحي، اليوم في العراق لا يتجاوز عدد المسيحيين في العراق أكثر من 450 الف مسيحي فقط، أي انه وبجملة إحصائية فان نحو مليون مسيحي عراقي غادروا من المحافظات التي كانوا يسكنون فيها، ولازال قسم منهم يتواجد في عموم العراق، لكن القسم الأكبر هجر الى الأردن ولبنان وتركيا، المسيحي لا يترك وطنه، بل يترك مكانه بحثا عن الأمان.

  من أوضاع اليوم إلى زمن يونان ..

و نحن نستعد للصوم الكبير تضع لنا الكنيسة صوم أهل نينوى لتذكرنا بأمور كتابية عديدة .. نريد أن تحدثنا سيادتكم عن نينوى بالعراق..

نينوى كانت مدينة عظيمة عريقة في القدم تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة بالعراق مقابل مدينة الموصل الحالية، وكانت عاصمة الاشوريين تتكون من ثلاث مدن نينوى، اشور، و نمروت، وقد وصفها يونان في سفره أنها كانت «مدينة عظيمة لله مسيرة ثلاثة أيام» (يونان 3: 3). ويبدو أنه يقصد بهذا الوصف أنها كانت تأخذ ثلاثة أيام سيراً على الأقدام للوصول إلى كل أطراف المدينة في إرسالية تبشيرية، أما تعداد سكانها فكان أكثر من 120 ألف نسمة.

وقد صارت نينوى عاصمة لدولة أشور في حكم سنحاريب (705-681ق.م)، ومع ذلك، فإن عدداً من الملوك الذين سبقوه بنوا فيها قصوراً ومعابد ومباني فخمة حتى قبل أن تصير عاصمة البلاد. إلا أن كل هذه العظمة لم تدم طويلاً، شأنها شأن كل متكبر ومتعال. فقد افترى ملوك نينوى وتجبروا جداً، وظنوا في أنفسهم أنهم لن يغلبوا، وعاملوا الشعوب المهزومة منهم بكل قسوة وضراوة، إلى أن انقلب عليهم ظهر المجن، وأخذت الإمبراطورية الأشورية في التدهور والانحلال في أواسط القرن السابع قبل الميلاد.. ففي سنة 625 ق.م، أعلن نابوبلاسر ملك بابل استقلاله عن نينوى، ثم في 612 ق.م تحالف مع جيرانه أهل مادي وهاجم نينوى ودمَّرها، وساعده على ذلك فيضان دجلة وطغيان مياهه على شوارعها؛ فتحوَّلت المدينة العظيمة إلى أسطورة وانقلب عمرانها إلى آثار وأنقاض. ولم تنفعها توبتها الأولى أيام يونان النبي، لأنها ارتدت إلى شرها، فصارت أواخرها أشر من أوائلها.

وقد تنبأ عن دمار نينوى، ناحوم النبي قائلاً: «هأنذا عليكِ يقول رب الجنود… ويكون كل مَن يراكِ يهرب منكِ، ويقول: خربت نينوى، مَن يرثي لها. من أين أطلب لكِ معزِّين» (ناحوم 3: 7،5)

 يقول الاب بولس: الله قد سمح بأن يبتلع يونان بواسطة حوت كبير، لا لكي يتوارى ويهلك تماماً، ولكن لكي بعد أن يطرحه الحوت يكون أكثر خضوعاً لله، ولكي ما يمجد بالأكثر ذاك الذي أعطاه خلاصاً غير منتظر ولا متوقع. وكان ذلك أيضاً لكي يقود أهل نينوى إلى توبة صادقة، فيرجع هؤلاء إلى الرب الذي سينقذهم من موت وشيك الوقوع بعد أن ارتعبوا من الآية التي تمت في يونان. كما يقول الكتاب عنهم إنهم رجعوا كل واحدٍ عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم قائلين: «لعل الله يعود فيندم ويرجع عن حموِّ غضبه فلا نهلك» (يون 3: 9،8).

وبنفس الأسلوب عينه، ومنذ الابتداء، سمح الله أن الإنسان (الأول) يبتلع بواسطة الحوت الكبير (إبليس) منشئ المخالفة، لا لكي يتلاشى ويهلك تماماً؛ بل لأن الله سبق فأعد طريق الخلاص الذي أكمله الكلمة بواسطة آية (مماثلة) لآية يونان (لو 11: 29)، لكل مَن سيؤمن بالله كيونان ويكون له نفس أحاسيسه من جهة الرب معترفاً به وقائلاً مثله: «أنا عبراني وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر» (يون 1: 9).

الله قد شاء أن الإنسان إذ ينال الخلاص غير المتوقع ويقوم من بين الأموات، يمجِّد الله ويردد كلمة يونان النبوية: «دعوت من ضيقي الرب، فاستجابني. صرختُ من جوف الهاوية، فسمعتَ صوتي» (يون 2: 2). الله قد شاء أن يظل الإنسان دائماً أميناً على تمجيده مُقدِّماً له الشكر على الدوام بلا انقطاع من أجل هذا الخلاص الذي ناله منه، حتى لا يفتخر كل ذي جسد أمام الرب (1كو 1: 29).

و عن معنى اسم ”يونان“، و كيف بدأ الصوم في الكنيسة يقول الاب بولس: ”يونان“ اسم عبري، نُطقه السليم بالعبرية ”يونه“، ومعناه ”حمامة“. ولقد كان بالفعل وديعاً رقيق القلب مثل الحمامة، لذلك تمنع من الذهاب إلى نينوى حتى لا يبشرها بالخراب.. أما الصوم بدأ من العراق و كان بدعوة من البطريرك حزقيال في القرن السادس للصلاة و الصوم ٣ أيام كصوم أهل نينوى ليخلص الله الشعب من وباء الطعون الذى انتشر بالعراق وقتها، و بالفعل حمى الله شعبه و في القرن السابع حين نظمت الصلوات و الطقوس في عهد البطريرك ايشوعياب الحديابي وضع هذا الصوم كرمز لصوم أهل نينوى، و حتى اليوم نحن نكرس صيامنا من أجل الامراض و الأوبئة و لخلاص نفوسنا.