عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

سرقة العراق وبيعه حلال..أما شرب الخمر فحرام !!

28 كانون1/ديسمبر 2020

أوشــانا نيســان

العراق في أزمة خانقة، أذ قبل أن يخرج النظام من أزمته السياسية والذبح على المذاهب والهويات، دخل اليوم دهاليز أزمة مالية خانقة تحرمه حتى من دفع رواتب موظفي الدولة. والخلل بأعتقادي يكمن في الموت السريري الذي تواجهه التجربة الديمقراطية المستوردة، بأعتبارها ديمقراطية من دون ديمقراطيين نزيهين. حيث أن التهديد الذي تواجهه الديمقراطية في العراق والعالم كله، هو تهديد داخلي تشرعه صناديق الاقتراع والقيادات التي تستلم السلطة عن طريق ما يسمى بالشرعية الانتخابية رغم أن الطريق الانتخابي خادع بشكل خطير، يكتب  أستاذا العلوم السياسية في جامعة هارفارد ستيفن ليفيتسكي ودانيال زبيلات في كتابهما المعنون" كيف تموت الديمقراطيات" الصادر في كانون الثاني/يناير 2018.

حقا أن العراق في أزمة بعدما أصبح الان كزورق لن ينجو منه أحد أذا تعرض للغرق لاسمح الله. حيث أكد رئيس الوزراء العراقي، وأنا منشغل بكتابة المقال " أن قصف المنطقة الخضراء يوم أمس عمل أرهابي جبان.. وأضاف أن الصواريخ سقطت على عراقيين وأصابتهم"، الاثنين 21/12/2020.  فغياب الاستقرار الامني والمجتمعي في قلب العاصمة بغداد، هو مؤشر خطير على ضعف الاجهزة الامنية وأرتفاع سلطة السلاح المنفلت عن قبضة الدولة على سلطة القانون وهيبة الدولة العراقية. كل ذلك من خلال أصرار بعض الميليشيات على تحويل نظام العراق وسيادته الوطنية الى ساحة للصراعات بهدف تقويض الامن والاستقرار داخل العراق. فاستهداف الاجانب، النوادي الليلية  وحرق المحلات المجازة قانونيا لبيع المشروبات الروحية في العراق، لا يختلف كثيرا عن أستهداف البعثات الاجنبية وعلى رأسها السفارة الامريكية في منطقة الخضراء قبل أيام. لأن العراق بأعتبارها الدولة المضيفة مسؤولة عن اتخاذ كافة الاجراءات التي تكفل حماية السفارات الاجنبية والبعثات الدبلوماسية داخل الدولة.هذا وبالاضافة الى تداعيات حرق هذه المراكز والمحلات التجارية ودورها في زيادة نسبة البطالة داخل الوطن أثر قطع أرزاق الاف الاف من عوائل المكونات المنكوبة أساسا.

وبسبب هذه القرصنة السياسية والارتزاق السياسي السائد، تم تصحير الحياة السياسية والمدنية في العراق من جديد. لذلك آن الاوان بالنسبة لنا جميعاً، ان نعيد صياغة المعادلة من دون تردد. أذ لا أقتصاد متنام ولا تراجع في نسبة البطالة، إلا بارساء دعائم الديمقراطية النزيهة وصيانة حقوق الانسان وكرامته ضمن الدولة العلمانية أوالمدنية. حيث أثبت التاريخ، أن الاكراه الديني والمذهبي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الاكراه وامتهان كرامة الانسان. فالمواطن العراقي غير المسلم بغض النظر عن أنتماءه العرقي أو المذهبي، أذا قدر له الدهر أن يكون صاحب محل لبيع المشروبات الروحية، فأنه لايبيع ألا وفق بنود القوانين العراقية المسموح بها. لكن الميليشياوي الذي يحرق المحلات المجازة في بيع  المشروبات الكحولية وسط العاصمة بغداد، لا يحرقها بسبب خطر المشروب على حياته أو تعارضه مع جوهر معتقداته الدينية أومبادئه السياسية، وانما بسبب تأثير تجارة المشروبات على تجارة المخدرات المعمول بها بكثرة في الاونة الاخيرة. "ان تجارة المخدرات أنتعشت مقابل تدني سوق المشروبات الكحولية.. وأضاف الخبير القانوني طارق حرب، أن البلدان والجهات التي تهرب المخدرات للعراق، ستضاعف جهدها بعد تراجع سوق المشروبات الكحولية".

هذا من جهة ومن الجهة الثانية، فأن أصرار الجماعات المسلحة المنفلتة، على تحويل العراق الى جمهورية متأرجحة بين نظام جمهوري اسلامي وثقافة مقاتلي حركة طالبان الافغانية، لربما ستكون النتيجة ولادة قيصرية لحكومة عراقية فاشلة ومعتّلة لا تمتلك القدرة على حماية مواطنيها من العنف أو من الدمار نفسه، وبالتالي أطلاق يدها في ممارسة العنف وأرتكاب العدوان، يكتب نعوم تشومسكي في كتابه" الدولة الفاشلة". لأن المواطن العراقي الذي يتمرد علنا على قوانين الدولة العراقية التي سنّت بهدف تقنين المشروبات الروحية بدلا من أستهلاكها بشكل غير قانوني، سوف لن يتردد لحظة في التمرد على قرارات الدولة والعصيان على قوانينها في وضح النهار. في حين فأن الوطني العراقي المحب لبلده والحياة والمستقبل لا يرضى أيضا ولا يسكت بكبت حرياته الفردية والانسانية المثبتة ضمن الدستور العراقي منذ عام 2005. لأن تقنين سياسة بيع المشروبات الكحولية في أي بلد، تحددالسن القانوني الادنى للاستهلال في الاماكن الخاصة تحت أشراف البالغين في سبيل ردع القاصرين من شراء المشروبات الكحولية وأستهلاكها. 

ومن المنطلق هذا يمكن القول، أن اشادة المستشار الامني لكتائب حزب الله العراقية ( أبو على العسكري) على موقع تلغرام، بحرق وتفجير محل لبيع الكحول في بغداد/ منطقة الكرادة، بالقرب من المسرح الوطني والسفارة الفرنسية وعدد من نقاط التفتيش العراقية، لها مدلولات غامضة بعدما نشرعلنا:
" مع صوت قرأن الفجر، أطرب أرواحنا قبل مسامعنا صوت تخريب محلات الخمور في الكرادة. سلمت اياديكم الطاهرة، اعملوا لرفع الحّرمة عن أخوانكم القاعدين.. وأضاف مواجهة المنكرات واجب لا يقل أجرا عن قتل عصابات داعش والاحتلال. أعيدوا لبلدكم ثقافة الاصالة والشرف ولا تهنوا ولا تحزنوا". علما أن المباركة أعلاه واجهت موجة من الرفض من قبل وطنيين عراقيين عبروا عن استغرابهم من الدعم العلني للتفجيرات التي قالوا أنها تشبه جرائم تنظيم داعش الارهابي ضد المكونات العراقية الاصيلة. حيث كتب أحد النشطاء بقوله" من المضحك أن الناطق بأسم حزب الله يثني على تفجير محلات الخمور، في الوقت الذي هو وكل حزبه يستمد قوته من ريع ضرائب المخدرات في العراق وسوريا ولبنان وباقي الدول".

أما بصدد الحلول وما يتعلق بالمحاور الاساسية التي يفترض بالنظام السياسي العراقي أتخاذها في سبيل أدارة مجتمع متعدد الاعراق، وهي بالاصل المحور الاقتصادي والمحور الثقافي بدلا من مجرد  المراهنة على المحور العسكري. فادارة ظاهرة "التنوع" أو التعدد العرقي والمذهبي في دولة العراق خلال 100 عام، مثلما تحولت الى القشة التي قصمت ظهر البعير، كذلك تحاول الميليشيات هذه الايام حرق الاختلافات المذهبية ضمن أتون الجحيم الذي اشعلته نيران الازمات السياسية والاقتصادية التي يعيشها العراق. لآن التنوع ليس بالضرورة عامل مشجع للصراعات فيما لو أحسنت ادارته، بحيث يمكن تحويله الى عنصر الوحدة والتعاون يساهم في تنمية البلد وتطويره وأستقراره. ولكن أدارة التنوع لا تكون فاعلة ولامؤثرة الا في إطار ترسيخ مفهوم القوانين والتشريعات الخاصة في توزيع فرص العمل والنجاح بالتساوي، حينها ينعم الجميع بالأمن والاستقرار وتعزز ثقافة السلام وقبول الاخر. وفي الحالة هذه لا يمكن لآي مواطن عراقي بغض النظر عن انتماءه العرقي أو المذهبي أوحتى السياسي، أن يتمرد أو يفكر بالتجاوز على حرمة القوانين المعمول بها بما فيها قانون أجازة بيع المشروبات الكحولية وتحديدا تامادة (3) الغقرة (ب) حيث جاء فيها:

-يشترط في مقدم الطلب ما يلي:

ب- أن يكون من الطوائف غير المسلمة وفي ختام حديثنا حول حرق محلات بيع الكحول وأماكن للحياة الليلية في العراق، أستميح قرائي الاعزاء عذرا في أن أمضي مسترسلا في مشاركته بواقعة طريفة جرت معي في القطب الشمالي ومفادها:

-هل يمكن شراء المشروبات الروحية وشربها في بلدكم؟ سألني زميل من زملائي الطلبة السويدين في جامعة "خوفدى" السويدية. قلت نعم. فأضاف مستغربا، كيف يمكن ذلك والعراق دولة مسلمة؟ قلت بصراحة تم تقنين تجارة المشروبات وبيعها بشكل غريب جدا. حيث ورد في أجازة بيع المشروبات الكحولية/ أن يكون البائع غير مسلم. ضحك السويدي وقال، أنها افضل طريقة لآثراء أبناء الشعوب العراقية غير المسلمة وتحديدا مسيحيي العراق. قلت نعم، المسيحي يحصل على أجازة البيع، في حين معظم زبائنه من المسلمين. حيث يربح غير المسلم كثيرا في المناطق ذات الاغلبية المسلمة، لآن البضاعة قليلة بينما الزبائن كثيرون.