طباعة

وزيرة الهجرة والمهجرين، والهوية القومية الموحدة

05 أيلول/سبتمبر 2020

إيفان ناجي

 

أرسل لي أحد الأصدقاء يوم أمس, رابطاً وفيه نص كلام وزيرة الهجرة والمهجرين المسيحية السيدة إيفان فائق، الذي وجهته "بحسب قولها" إلى السيد إمانويل ماكرون رئيس جمهورية فرنسا الذي زار بغداد في زيارة قصيرة.

السيدة ايفان بهدف أو دونه، أحبت أن تدون وتسرد التاريخ كما تحبذ, ناسية أو متناسية بأن التاريخ سيسجل كما هو ولايرحم أحداً.

شخصياً كنت أنتظر من معالي الوزيرة أن تكون أكثر دقة في كلماتها وإنتقاء مفرداتها بحكمة، كونها إبنة حضارات أبهرت العالم، ومن جهة أخرى بسبب خبرتها الميدانية في مجال العمل ناهيك عن صفتها الرسمية, وموقعها كوزيرة في كابينة إصلاحية ترمي إلى مد الجسور والعبور بالعراق والعراقيين إلى بر الأمان وإنتشاله من الوضع المأساوي الذي يعيشه.

كلمات الوزيرة التي إفتقرت إلى الحقيقة التاريخية الأكاديمية، دفعتني لكتابة هذا المقال الذي أختصره في ثلاث نقاط محورية.

أما غايتي من كتابته, فهي لأحافظ على جدران بيتنا المتداعي أو ماتبقى منها على الأقل من جهة، ومن جهة ثانية لدعمها كوزيرة محسوبة على شعبي، ليبقى إسمها مقروناً بأعمال طيبة, وفي مقدمتها توحيد الصف والبيت القومي لشعبنا (الكلداني السرياني الآشوري)، الذي تمثله تحت تمسية المسيحية.

1-الناحية القانونية: أنت تمثلين المسيحيين بكافة إنتمائاتهم وتسمياتهم في الكابينة الوزارية، وهذا يضع على عاتقك رعاية مصالح كافة المسيحيين دون تمييز على أساس الإسم، المكون, الكنيسة والتاريخ, وغير ذلك يضعك في خانة التجاوز على القانون والدستور العراقي بحد ذاته, وبذلك تساهمين بنفسك في إفشال مسيرتك المهنية، بفتح باب النقد على شرعيتك وتمثيلك العادل للجميع دون تمييز وإستثناء.

 ومن زاوية أخرى, فأنت تعملين على زيادة الشرخ القومي, في الوقت الذي من واجبك العمل على تقريب وجهات النظر وردم الثغرات ونبذ سياسة النعرات الطائفية.

2-لناحية التاريخية: عندما تقفين أمام شخصية عالمية بحجم السيد إيمانويل ماكرون وتشرحين له عن تأريخ العراق وحضاراته، فهذا شيء جد طيب، لكن دون تحريف, تزييف, أو إلتفاف. وأنا هنا أذكرك بأن السيد ماكرون على يقين بعظمة حضارة العراق، ومن هم روادها، أولئك الذين دونوا أول أبجدية، وأبدعوا في الرياضيات والهندسة والطب والفن والزراعة والبناء وووو.. وإن لم يكن السيد ماكرون قد درس تأريخ العراق، فأنا على يقين بأنه قد قام بجولة أيام الدراسة أو بعد ذلك أو إبان توليه لهذا المنصب، إلى متحف اللوفر الشهير في العاصمة باريس الذي يبعد عشرة دقائق عن القصر الرئاسي، وخلال زيارته سيكون قد مر بالقاعة الآشورية التي إفتتحت عام 1847م والتي تضم الكنوز الآثارية لمدينة نينوى التأريخية العظيمة، نينوي التي كانت مدينتك الثانية بعد النزوح ياسيدتي الوزيرة وخدمتي فيها.

3-بحكم مجال عملك كمستشارة أجد أنك لم توظفي خبرتك وإمكانياتك بشكل إيجابي في سبيل البحث والتنقيب عن الحقيقة. فقد كان أجدر بك أن تستشيري فيما يخص التاريخ والتسميات المناضل القومي والمثقف التلكيفي المرحوم يوسف مالك ليرشدك إلى شمس الحقيقة، ولكي تدخلي التاريخ عبر الباب الصحيح كان حري بك الإستعانة بكتابات ونتاجات المؤرخ الموصلي العراقي الراحل جرجيس فتح الله. وإن لم تكوني من مناصري السياسة ولاتؤمنين بالمسائل القومية وتفضلين هويتك العراقية والدينية المسيحية على الهويات الأخرى، فهنا كان لك أن تستعيني بإستشارة إبن نينوى المطران الراحل يعقوب أوجين منا لينير دربك فيما يخص حقيقة تسمية شعبك وجذوره القومية والوطنية الأصلية بالعودة إلى قاموسه الشهير (قاموس كلداني ـ عربي) طبعة بيروت 1975. أما مواقف وكلمات مثلث الرحمات البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد، فهي منارة لكل أعمى.

 والقائمة تطول بأسماء أخرى غلب عندها المنطق على العاطفة، والمصلحة العامة على الشخصية.

وهنا أنا لاأضع العتب كله عليك، لأن الوزر يتحمله قادة وساسة شعبنا وكنائسنا المنقسمة بينها وعلى نفسها فيما يخص مسألة التسمية المقيتة. وفي عين الوقت أهنئك على إعتزازك بهويتك التاريخية والدينية على عكس البعض، لكن الصفة التي تحملينها تفرض عليك الهوية الشاملة الموحدة، هوية بابل وآشور, هذه الهوية التي فيها الآشوري سيكون قضيباً في يدك، والسرياني حزاماً سانداً لظهرك, وسينتشلونك من وحدتك ساعة المحن.

وختاماً، على الجميع أن يدرك حقيقة أن واجبنا القومي والوطني يضع على عاتقنا مسؤولية العمل الجماعي بغض النظر عن الإنتماء والفكر السياسي والكنسي، كوننا جميعاً نتقاسم مركب واحد ونحلم بوجهة واحدة في بحر هائج لايميز بين إسم، فكر وإنتماء .