FacebookTwitterGoogle Bookmarks

مسودة قانون المحكمة الاتحادية العليا تكريس للطائفية وترويع للأقليات!

10 تموز/يوليو 2019

كوهر يوحنان عوديش

 

تدمير العراق كوطن وتفكيك نسيجه الاجتماعي لم يكن بسبب إرهاب القاعدة ومن ثم إرهاب داعش، ولم يكن أيضاً بسبب الانفلات الأمني وغياب القانون فقط بل كان بسبب سيطرة الفاسدين على مقاليد الحكم والتحكم الى الدستور الأعوج والمناقض لنفسه في الكثير من بنوده بسبب صياغته من قبل أشخاص لا يفقهون من القانون والدستور شيئاً إضافة الى عدم تطبيقه كاملاً بل طبق جزئياً وانتقائياً ليخدم مصالح وأهداف الطبقة الحاكمة المسيطرة على مقاليد الحكم بعد 2003.

لا يختلف اثنان على حجم معاناة العراقيين ككل الكبيرة بسبب سيطرة الفاسدين على مقاليد الحكم وغياب القانون وعجزه في ملاحقة ومحاكمة المتلاعبين بأموال وأرواح أبناء الشعب العراقي، لكن تظل وتبقى معاناة المكونات غير المسلمة أكبر وأقسى بسبب قلتهم العددية ومصادرة إرادتهم وسلب حقوقهم وحرياتهم بالتشريعات والقوانين المجحفة التي تسن بالضد من معتقداتهم وحقوقهم، وآخرها مسودة قانون المحكمة الاتحادية العليا التي تهمش وجودهم وتجسد في فكرهم وعقولهم ظلامية المستقبل الذي ينتظرهم في وطن يحاصرهم ويشد الخناق على أنفاسهم باستمرار دون إنصاف.

تثير مسودة قانون المحكمة الاتحادية الكثير من الهلع والخوف في نفوس المكونات غير المسلمة بسبب تهميشهم أولاً، وضم عضويتها لأربعة خبراء في الفقه الإسلامي (اثنان شيعة ومثلهم سنة!) بحسب المادة -2– د- من مسودة القانون، وبذلك فانها تخلط بين القضاء والشريعة وتخالف الدستور النافذ في مادته (47) التي تنص على مبدأ الفصل بين السلطات، إضافة الى مخالفتها للمادة (19) من الدستور النافذ (أولاً:- القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون.)، لأن إشراك فقهاء الشريعة في عضوية المحكمة الاتحادية التي حددت اختصاصاتها وصلاحيتها في المادة (93) من الدستور النافذ بالرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب... يعتبر تدخلاً سافراً في عمل القضاء ويضع استقلالية هذه المحكمة على المحك وموضع شك وارتياب، لأن قرارات المحكمة تكون تحت رحمة فقهاء الشريعة، شئنا أم أبينا، الذين انضموا الى عضوية المحكمة تحت غطاء الدين! ولهم صلاحية واسعة للاعتراض على قرارات المحكمة، ومن جهة أخرى فان إشراك فقهاء الشريعة من السنة والشيعة فقط! بنفس الأعضاء هو تكريس للطائفية التي دمرت البلد.

وإنصافاً للمكونات! وإشعارهم بوجودهم وعدم تهميشهم فان مسودة القانون تنص في المادة (4) (أ- يحفظ في تكوين المحكمة التوازن الدستوري بين مكونات الشعب العراقي.)، لا أعتقد ان هذه المادة اضيفت الى مسودة القانون لإنصاف المكونات غير المسلمة، بل بالعكس اضيفت مجاملة لتجميل مسودة القانون لا أكثر ولا أقل لأن المادة (2) من مسودة القانون حددت تكوين المحكمة وعضويتها والتي خلت من أية إشارة صريحة الى ضم عضويتها لمسيحي أو ايزيدي أو صابئي... فكيف للمحكمة أن تحفظ التوازن الدستوري للمكونات إذا لم يكن في عضويتها ولو عضو واحد من هذه المكونات غير المسلمة؟

إن مسودة قانون المحكمة الاتحادية بصيغته الحالية هو اسلوب ووسيلة من نوع آخر لترويع المكونات غير المسلمة وإجبارهم على ترك البلد، لذلك على مسؤولي وحكام العراق الجدد الذين يدعون الديمقراطية ويبكون على حريات المكونات وبقائهم في الوطن أن يراجعوا القانون مليون قبل طرحه على البرلمان للتصويت عليه وتمريره، وإلا فليعلنوا صراحة ان العراق الجديد! لا يتسع لغير المسلمين.