FacebookTwitterGoogle Bookmarks

آشوريو سوريا.. حضارة شتتها الإرهاب تصارع من أجل البقاء

11 تموز/يوليو 2019

كنيسة مريم العذراء في قرية والطو (تل نصري) وآثار الخراب والتدمير بادية عليها (تصوير: باول هكاري)

بيت نهرين- خاص: ما أن تطأ قدماك ترابه العبق، حتى تستقبلك قرى مهجورة أغار عليها الشوك من كل حدب وصوب، مساكن خاوية ارتحل عنها مَعشَرها لتغدو أسيرة النسيان، كنائس مفجرة وأخرى لم يتبقى منها سوى هياكل وأطلال، وكأن المرء يتوهم بحلم تراجيدي إلا أنه يُبصر واقع قاسٍ يحبس الأنفاس.

إنه الخابور السوري المثقل بالهموم، الذي ما لبثت جراح آشورييه أن التئمت من أنين مذبحة سميل، ريثما تعرضوا مرة أخرى لهجوم إرهابي غادر من قبل التنظيم التكفيري "داعش" استهدف ما لا يمكن استهدافه: الوجود الآشوري، وكأنه خُطط لهم أن يعيشوا في الحياة نكبة تلو الأخرى!

في 23 شباط 2015 شنّ التنظيم الإرهابي "داعش" هجمات مركزة على نحو 34 قرية آشورية ممتدة على ضفاف نهر الخابور في محافظة الحسكة (شمال شرق سوريا)، اختطف خلالها أكثر من 250 آشورياً (أطلق سراحهم لاحقاً بعد دفع مبالغ مالية طائلة من قبل كنيسة المشرق الآشورية)، وفجر عدداً من الكنائس وأضرم النيران في أخرى وسرق المنازل، ما أدى الى نزوح قسري كثيف باتجاه المناطق الآمنة.

ولكن، كيف حدث ذلك؟

 

ما تبقى من كنيسة مار بيشوع في قرية تل شاميرام (تصوير: باول هكاري)

منذ شروع الأزمة في سوريا عام ٢٠١١، توارث الإرهاب من الجيش الحر لجبهة النصرة ٢٠١٢ وتشكيل داعش في ٢٠١٣. بيد أن الهجوم على الخابور، معقل الآشوريين، بدأ عام ٢٠١٥ باسلوب توسع بعد سقوط مدينة الموصل وسهل نينوى في العراق عام ٢٠١٤.

كانت البداية باسلوب التجييش الإعلامي المرهب ودب الذعر عن طريق التهويل والترهيب، إذ كان قد وصل تمدد التنظيم الإرهابي "داعش" لجبل عبد العزيز المحاذي لقرى الخابور الجنوبية والذي يبعد عنها ٢٠ كم. وبات في مطلع ٢٠١٥ يقوم بنصب حواجز ونقاط متحركة على الطريق الممتد من تل تمر للحسكة على جهة القرى الآشورية الجنوبية، ومن ثم بخطف المواطنين الآشوريين تحت صفة النصراني المرتد والكافر.

في حين بدأت المرحلة الثانية من الهجوم نهاية كانون الثاني عام ٢٠١٥ بدخول القرى وفرض الإسلام أو الجزية أو التهجير، إضافة الى كسر الصلبان من على الكنائس والقبور ومنع كل مظاهر المسيحية في قرى الخابور الآشورية.

 

روبيرت ايشو: قائد قوات الناطوره

روبيرت ايشو قائد قوات الناطوره قال لـ"بيت نهرين"، بأنه "تم الرد عليهم في بعض القرى بطريقة الرفض السلمي ولكن ذلك زاد من الحقد أكثر، فتم توجيه عدة إنذارات وتهديدات للآشوريين عن طريق الهواتف الأرضية ومناشير ومراسلين".

وأضاف "بدأ الهجوم على القرى الآشورية المسالمة معزولة السلاح بشكل ممنهج في تمام الساعة الثالثة والنصف من صباح ٢٣ شباط ٢٠١٥، وبالتوازي مع ذلك تم فتح السدود التركية على نهر الخابور بغية عدم وصول الدعم والمؤازرة من القرى الشمالية للجنوبية".

والقرى هي تل هرمز، تل طال، تل مخاضة، تل جزيرة، تل بالوعة، قبر شامية، تل كوران، أبو تينه، تل طلعة وتل شميرام على الشريط الجنوبي بقوام فوج تعداده ٤٠ عنصر إرهابي لكل قرية، وعلى تل تمر بتعداد لواء كامل أي ٣٠٠ عنصر.

وأشار الى أنه "بتوقيت واحد وكثافة نيران عالية تم تهويل الأهالي المعزولين، منهم من أخلى قريته لينجو بحياته، ومنهم من بقى فتم خطفه، ومن قاوم تم قتله والتمثيل بجثته".

ونوه الى أنه "في تمام الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم ٢٣ شباط انتهت العملية وباتت الاشتباكات خفيفة بعد سيطرة داعش على هذه القرى وخطفه أكثر من ٢٥٠ شخص".

وأردف "اشتدت المعركة على محور تل تمر، إلا أن التضاريس الجغرافية واسلوب القنص من قبل القوات المدافعة عنها منعت داعش من التقدم"، لافتاً الى "استمرار المقاومة أكثر من 60 يوم، بعدها تدخل طيران التحالف وبدأ العد التنازلي لداعش، وتم تحرير كافة القرى الآشورية الممتدة على الشريط الجنوبي من نهر الخابور".

الوجود الآشوري في سوريا

 

قرية تخوما (تل هرمز) كان عدد نفوسها يناهز 5000 آلاف نسمة والآن لا يتعدى عدد أصابع اليد! (تصوير: باول هكاري)

يمتد الوجود الآشوري في سوريا الى ما قبل نشوئها كدولة، وان تسمية سوريا ذاتها جاءت نسبة الى أسيريا أو آشوريا أي بلاد الآشوريين، وذلك بحذف حرف الهجاء الأول وإبدال الشين بالسين. إلا أن أصول المجتمع الآشوري الذي يقطن الجزيرة السورية تنحدر تماماً من تركيا والعراق، إذ من هناك بدأ يشق مسيرته المخضبة بالدم والشقاء.

ففي صيف 1915 نفذت السلطات العثمانية بالتعاون مع بعض العشائر الكردية سلسلة مذابح مروعة بحق الأرمن والآشوريين عرفت بإسم "مذابح سيفو" راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون بريء فاضطر على إثرها قسم من الآشوريين للهجرة نحو سوريا والاستقرار فيها.

بيد أن جذر القسم الأكبر يرجع الى العراق والذي لجأ الى الجزيرة السورية عام 1933 عندما أزاح الجيش العراقي الستار عن وجهه العفن واقترف بتحريض مباشر من الانكليز أول مذبحة له في تاريخه المعاصر بحق الآشوريين في قصبة سميل بهدف الإجهاض على حلمهم التاريخي في إنشاء حكم ذاتي خاص بهم، فراح ضحيتها أكثر من ستة آلاف مواطن بريء وعشرات القرى التي أبيدت عن بكرة أبيها.

 

الفنان والملحن عبد الأحد نيسان

عبد الأحد نيسان، أحد الصامدين في قريته تل كيفجي بالخابور، قال لـ"بيت نهرين" بأنه "قدم أجدادي من جبال هكاري واستوطنوا في قصبة سميل بالعراق، وأثناء المجزة نزحوا من العراق الى سوريا وخيموا في تل تمر ومن ثم قريتنا الحالية تل كيفجي، هذا بعد ما فقدوا كل شيء في العراق ناهيك عن الشهداء الذين ذُبحوا ومن بينهم الشهيد القس سادا زومايا وابن عمه الشهيد الشماس أرسانيس أمام زوجاتهم في داخل مذبح الكنيسة ذبحاً، واستشهد عشرات من أهل قريتي".

وبيّن "أثناء الهروب كانت تروي لي جدتي حكايا مؤلمة جداً، وكانت تضع يدي على رصاصتين في كتفها بعدما اخترقت ظهر رضيعها (عمي) الابن البكر ولم تشعر به انه مات إلا عندما شمت رائحته".

وأكد "الخابور كان مكان سيء جداً، وبعد أن سكنوه أجدادي جعلوا منه جنة الله على الأرض بكفاحهم ومثابراتهم".

المشهد السياسي الآشوري

 

آثار كنيسة مار أوديشو في قرية طلناي (تل طال)، فجرها التنظيم الإرهابي "داعش" (تصوير: باول هكاري)

لم يكن الآشوريون في منأى عن التحولات التي برزت على السطح السياسي السوري، بل كانوا في مراحل كثيرة جزءاً منها، سعياً منهم لإنتزاع الاعتراف من أنظمة الحكم المتعاقبة على سدة الحكم بوجودهم القومي والإقرار بحقوقهم دستورياً وإشراكهم بشكل فعلي في إدارة البلاد، فكانوا من الأوائل في تأسيس أحزاب ومؤسسات ثقافية وهيئات مجتمع مدني وأهلي أبرزها المنظمة الآثورية الديمقراطية عام 1957 والحزب الآشوري الديمقراطي عام 1978.

غير أن المشهد السياسي الآشوري في سوريا، حاله حال نظيره في العراق، يتسم في الوقت الراهن بنوع من الفتور وغياب التنسيق والتباين في الرؤى، ليس على الصعيد القومي وحسب إنما الوطني أيضاً. إذ لكل حزب مشاريع ورؤى وإن تطابقت في خطوطها العريضة إلا أنها تتفاوت من حيث آلية التطبيق على أرض الواقع.

 

شمعون كاكو: مسؤول مكتب تل تمر للحزب الآشوري الديمقراطي (تصوير: باول هكاري)

يرى شمعون كاكو، مسؤول مكتب تل تمر للحزب الآشوري الديمقراطي، في حديث لـ"بيت نهرين"، بأن "الواقع السياسي الآشوري في منطقة الجزيرة السورية ضعيف حالياً، وعلى الأحزاب التي تمثل الشعب السرياني الآشوري أن تتحالف فيما بينها لتشكيل قوة على الأرض من أجل إثبات الوجود وإتمام المسيرة".

ويضيف "في حال عدم التمكن من تشكيل هذا التحالف فسوف يخرج شعبنا من العملية بخسارة كبيرة".

صراع من أجل البقاء

 

دير القديس مار قورياقوس في قرية ديزن (تل بالوعة) وآثار الرصاص بادية على جدرانه (تصوير: باول هكاري)

يصارع آشوريو الخابور الظروف لحظة بلحظة من أجل ترتيب البيت الداخلي والحفاظ على ما تبقى من الوجود الذي إنخفض تعداده بشكل مخيف بعد الأحداث القاسية التي مرت بها القرى والأرياف الآشورية. بيد أن المهمة ليست بالسائغة في ظل المستجدات السياسية والأمنية المعقدة التي تشهدها المنطقة، وإنعدام الدعم لهذه الشريحة الأصيلة التي ضحت بالكثير في سبيل بلوغ مبتغاها ضمن وحدة الأراضي السورية.

 

جميلة كاكو: مسؤولة مؤسسة عوائل الشهداء الآشوريين

جميلة كاكو، مسؤولة مؤسسة عوائل الشهداء الآشوريين في الخابور، قالت لـ"بيت نهرين"، أن "توفر الأمن والعدل والمساواة في المنطقة، وتحديداً في الخابور، يرافقهم الإسناد المادي والمعنوي من الأحزاب والمنظمات كفيل باستقرار الأوضاع وعودة الحياة الى مجراها الطبيعي وإن كان الأمل في ذلك ضعيفاً".